عبد الشافى محمد عبد اللطيف
83
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
لا متشطت ، ولو قد اشتد عليها حرّ مكة لا ستظلّت ، قال : فقال : أبرّ قسم أمّي ، ولي هناك مال فاخده ، قال : فقلت : واللّه إنك لتعلم أنّي لمن أكثر قريش مالا ، فلك نصف مالي ولا تذهب معهما ، قال : فأبى عليّ إلا أن يخرج معهما ؛ فلما أبى إلا ذلك قلت : أما إذ قد فعلت ما فعلت فخذ ناقتي هذه فإنها ناقة نجيبة ذلول فالزم ظهرها ، فإن رابك من القوم ريب فانج عليها ، فخرج عليها معهما ، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل : واللّه يا أخي لقد استغلظت بعيري هذا ، أفلا تعقبني على ناقتك هذه ؟ قال : بلى ، قال : فأناخ وأناخا ليتحوّل عليها ، فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه وربطاه ثم دخلا به مكة وفتناه فافتتن . قال ابن إسحاق : فحدثني به بعض آل عياش بن أبي ربيعة أنهما حين دخلا به نهارا موثقا ، ثم قالا : يا أهل مكة هكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفيهنا هذا » « 1 » . هذا مثل من أمثلة التنكيل والأذى الذي ألحقه القرشيّون بالمسلمين ليفتنوهم عن دينهم ، وإليك قصة أخرى من قصص قريش المخزية مع المسلمين ، والتي تجردت فيها من كل إنسانية ، وبطل هذه القصة أبو سلمة المخزومي رضي اللّه عنه أوّل مهاجر من مكة إلى المدينة ، بعد أن أذن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم لأصحابه بالهجرة إليها ، بعد بيعة العقبة الثانية ، قال ابن إسحاق : فحدثني أبي إسحاق بن يسار ، عن سلمة بن عبد اللّه بن عمر بن أبي سلمة ، عن جدّته أمّ سلمة زوج النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، قالت : لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة ورحل لي بعيره ، ثم حملني عليه ، وحمل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري ، ثم خرج بي يقود بي بعيره ، فلمّا رأته رجال بني المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم قاموا إليه ، فقالوا : هذه نفسك غلبتنا عليها ، أرأيت صاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها في البلاد ؟ قالت : فنزعوا خطام البعير من يده ، فأخذوني منه ، قالت : وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد رهط أبي سلمة ، قالوا : لا واللّه لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا ، قالت : فتجاذبوا ابني سلمة بينهم ، حتى خلعوا يده ، وانطلق به بنو عبد الأسد ، وحبسني بنو المغيرة عندهم ، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة ، قالت : ففرّق بيني وبين زوجي وبين ابني « 2 » .
--> ( 1 ) ابن هشام - السيرة النبوية ( 2 / 84 ، 86 ) ، وابن كثير - السيرة النبوية ( 2 / 220 ) . ( 2 ) ابن هشام ( 2 / 77 ) .